الشيخ الطبرسي

109

تفسير مجمع البيان

وأنكره علي بن عيسى ، وقال : لا يجوز حذف الاستفهام من غير دليل عليه . وقد جاء في كلام العرب حذفه على خلاف ما قاله . أنشد النحويون قول عمر بن أبي ربيعة : ثم قالوا : تحبها . قلت : بهرا * عدد القطر ، والحصى ، والتراب ( 1 ) أي : أتحبها ( فنادى في الظلمات ) قيل : إنها ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت ، عن ابن عباس وقتادة . وقيل : كان حوت في بطن حوت ، عن سالم بن أبي الجعد . ( أن لا إله إلا أنت سبحانك ) لما أراد السؤال والدعاء ، قدم ذكر التوحيد والعدل . ثم قال : ( إني كنت من الظالمين ) أي : من الذين يقع منهم الظلم . وإنما قاله على سبيل الخشوع والخضوع ، لأن جنس البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم . قال الجبائي : لم يكن يونس في بطن الحوت على جهة العقوبة من الله تعالى ، لأن العقوبة عداوة للمعاقب ، لكن كان ذلك على وجه التأديب ، والتأديب يجوز للمكلف وغير المكلف ، كتأديب الصبي وغيره ، وبقاؤه في بطن الحوت حيا ، معجزة له ( فاستجبنا له ونجيناه من الغم ) أي : من بطن الحوت ( وكذلك ننجي المؤمنين ) أي : ننجيهم إذا دعونا به ، كما أنجينا ذا النون . ثم قال سبحانه : ( وزكريا ) أي : واذكر زكريا ( إذ نادى ربه ) ودعاه يا ( رب لا تذرني فردا ) بغير وارث ولا ولد يعينني على أمر الدين والدنيا في حياتي ، ويرثني بعد وفاتي . ( وأنت خير الوارثين ) هذا ثناء على الله سبحانه بأنه الباقي بعد فناء خلقه ، وأنه خير من بقي حيا بعد ميت ، وأن الخلق كلهم يموتون ويبقى هو سبحانه . ( فاستجبنا له ووهبنا له يحيى ) روى الحرث بن المغيرة قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إني من أهل بيت قد انقرضوا ، وليس لي ولد ؟ فقال : ادع وأنت ساجد : ( رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ) ، ( رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ) قال : ففعلت فولد لي علي والحسين . ( وأصلحنا له زوجه ) بأن كانت عقيمة ، فجعلناها ولودا ، عن قتادة . وقيل : كانت هرمة فرددنا عليها شبابها ، عن أبي مسلم . وقيل : كانت سيئة الخلق ، فجعلناها حسنة الخلق . ( إنهم ) يعني زكريا ويحيى . وقيل : معناه إن الأنبياء الذين تقدم ذكرهم ( كانوا يسارعون في الخيرات ) أي : يبادرون إلى الطاعات والعبادات .

--> ( 1 ) قوله ( بهرا ) أي : بهرني بهرا بمعنى غلبني غلبة أي : أحبها حبا بهرني بهرا .